أخبار عاجلة

ضوء

بقلم : الدكتورة أنيسة فخرو

بمناسبة الشهر الفضيل أعيد نشر مقالاتي عن كتاب طبائع الاستبداد للعلامة الكواكبي.
(الكواكبي) هذا الفقيه والعالم والفيلسوف والعبقري الذي اغتيل وهو لم يتجاوز الخمسين من عمره، وباغتياله خسرت الأمتين العربية والإسلامية رجلا لا يعوض أبدا.
يُشخّص (الكواكبي) العلاقة بين التربية والاستبداد قائلا: “الخصال ثلاثة: الطبيعية الحسنة كالصدق والأمانة والرحمة، والخصال الطبيعية القبيحة كالرياء والقسوة والجبانة، والخصال الكمالية التي جاءت بها الشرائع الإلهامية، كالعفو وتقبيح الطمع والزنى وغيرها، والخصال الاعتيادية، أي ما يكتسبه الإنسان بالوراثة أو التربية “.
أسير الاستبداد يرث شر الخصال ويتربى على أشرها، ومن طبائع الاستبداد ألفة الناس على الأخلاق الرديئة “.
كنت دوما أسأل نفسي لماذا يهرول الفرد في مجتمعنا العربي كله لأداء العبادات من صلاة وصيام وغيرها، في حين يمارس كل لحظة عكس القيم التي جاء بها الدين، كالكذب والغش والسرقة والنفاق، ويبتعد عن القيم التي يحث عليها الدين كالنظافة والانضباط والنظام والإتقان وغيرها؟ فيجيب (الكواكبي) قائلا:
“الاستبداد ريح صرصر فيه إعصار يُجّهل الإنسان كل ساعة، وهو مفسد للدين في أهم قسميه أي الأخلاق، أما العبادات فلا يمسها المستبد لأنها تلائمه أكثر؛ لهذا تبقي الأديان في الأمم المأسورة عبارة عن عبادات مجردة صارت عادات لا تفيد في تطهير النفوس، ولا تنهى عن فحشاء ولا منكر، كفقد الإخلاص فيها تبعا لفقده في النفوس التي ألفت أن تتلوى بين سطوة الاستبداد في زوايا الكذب والرياء والنفاق والتملق؛ ولهذا لا يستغرب في الأسير الأليف الرياء أن يستعمله مع ربه ومع أبيه وأمه وقومه وحتى مع نفسه “.
“الاستبداد يربي الناس على استباحة الكذب والخداع والتذلل، وإلى إماتة النفس، ونبذ الجد وترك العمل. والاستبداد يتولى تربية الناس على هذه الخصال الملعونة؛ فيرى الآباء أن تعبهم في تربية أبنائهم يذهب عبثا تحت أرجل الاستبداد “.
“إن الأمم التي يسعدها جِدها لتبديد استبدادها تنال من الشرف الحسي والمعنوي ما لا يخطر على فكر أسرى الاستبداد، فهذه بلجيكا أبطلت التكاليف الأميرية برمتها، وهذه سويسرا يصادف كثيرا ألا يوجد في سجونها محبوس واحد، وهذه اليابان أصبحت تستنزف قناطير الذهب من أوربا وأمريكا ثمن امتيازات اختراعاتها “.
قدم (الكواكبي) خمسة وعشرين مبحثا على هيئة أسئلة للبحث والتدقيق، تشمل: مبحث الأمة ومفهومها، الحكومة ونوعيتها ووظائفها، الحقوق العامة والتساوي فيها، الحقوق الشخصية، حقوق الحاكمية، طاعة الأمة للحكومة، توزيع التكليفات، إعداد المنعة والقوة، المراقبة على الحكومة، حفظ الأمن العام، حفظ السلطة في القانون، تأمين عدالة القضاء، حفظ الدين والآداب، تعيين الأعمال بالقوانين، كيفية وضع القوانين، القانون وقوته، توزيع الأعمال والوظائف، التفريق بين السلطات السياسية والدينية والتعليمية، الترقي في العلوم والمعارف، التوسع في الزراعة والصناعة والتجارة، السعي في العمران، والسعي في رفع الاستبداد.
وكم هو أحرى بالباحثين التوغل في هذه الأسئلة للإجابة التحليلية عليها.
وفي ألف باء السياسة، يقول (الكواكبي) عن كيفية التخلص من الاستبداد: “الإنسان مر بمراحل عدة منها دور الافتراس ودور الاقتناء، وتعريف الاستبداد: هو الحكومة التي لا يوجد بينها وبين الأمة رابطة معلومة مصونة بقانون نافذ الحكم “.
“فالمستبد لا يوثق معه بوعد ولا بعهد ولا بيمين، والأمة التي لا يشعر كلها أو أكثرها بآلام الاستبداد لا تستحق الحرية “.
“فالأمة التي ُضربت عليها الذلة والمسكنة تصير سافلة الطباع كالبهائم أو دونها، لا تسأل عن الحرية ولا تلتمس العدالة ولا ترى في الحياة وظيفة غير التابعية “.
وأول شرط لغلبة الاستبداد: “يجب قبل مقاومة الاستبداد تهيئة ما يستبدل به، بهدوء وروية ودون جلبة “.
وكأن (الكواكبي) يُشخّص الوضع الحالي بعد الربيع العربي قائلا: “الحرية التي تنفع الأمة هي التي تحصل عليها بعد الاستعداد لقبولها، أما التي تحصل عليها إثر ثورة حمقاء قلما تفيد شيئا؛ لأن الثورة غالبا تكتفي بقطع شجرة الاستبداد ولا تقتلع جذورها؛ فلا تلبث أن تنبت وتنمو وتعود أقوى مما كانت “.
“الاستبداد لا يقاوم بالشدة، بل باللين والتدرج؛ لأن الاستبداد محفوف بأنواع كثيرة من القوات منها: قوة الإرهاب بالعظمة، وقوة الجند وخاصة غريبو الجنس، وقوة المال، وقوة الألفة على القسوة، وقوة رجال الدين، وقوة أهل الثروة والأغنياء، وقوة الأنصار من الأجانب “، ونضيف عليها (قوة الصحافة والإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي)؛ لذا لا ينبغي أن يقاوم الاستبداد بالعنف كي لا تكون فتنة تحصد الناس حصدا…

الدكتورة أنيسة فخرو
سفيرة السلام والنوايا الحسنة
المنظمة الأوروبية للسلام والتنمية الكواكبي والاستبداد (4 )

عن سعد المالكي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

ستة عشر − 2 =

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسين الجوادي ثاني شخصية كشفية سعودية تترأس أعلى سلطة كشفية عربية

 بقلم- مبارك بن عوض الدوسري  لقد حبى الله سبحانه وتعالى كثيراًً من الناس القدرة على ...

Snapchat
Whatsapp