أخبار عاجلة
الرئيسية / من-هنا-وهناك / الولاية القضائية وسلطة إنفاذ القانون هل ستتعامل المحاكم الكندية مع قضية مينج وانجو مثلما تعاملت مع قضية لوتس؟

الولاية القضائية وسلطة إنفاذ القانون هل ستتعامل المحاكم الكندية مع قضية مينج وانجو مثلما تعاملت مع قضية لوتس؟

التحلية نيوز _ رشاد اسكندراني

المقالة التالية هي جزء من تقرير أعده شون دي ييتس، المحامي الإنكليزي والمستشار العام لشركة هندسة البناء (الشرق الأوسط)
عند سؤال مجموعة من طلاب القانون في إحدى المحاضرات عن الدولة التي يمكنها أن تتولى المحاكمة في قضية جنائية بدأت في بلجيكا وتمت في فرنسا، أجاب واحد من الطلاب قائلاً: “الولايات المتحدة الأمريكية” ! وتظهر الإجابة أثر النفوذ الأمريكي وسياسات الولايات المتحدة في فرض قوانينها على الأفراد والشركات والدول على الوعي العام المجمع عليه من قبل شرائح كثيرة من الجمهور بمن فيهم طلاب القانون.
في قضية الباخرة لوتس المشهورة التي وقعت في عام 1927، ميزت محكمة العدل الدولية الدائمة بين الولاية القضائية – أي الحق في سنّ القوانين – وسلطة إنفاذ القانون أي الحق في فرض القوانين وتطبيقها. ورأت المحكمة أنه ما لم تكن هناك قوانين أو قواعد تخالف ذلك، يحق للدولة أن تسن قوانين تتعلق بالأشخاص أو الأحداث خارج حدودها الجغرافية. وبموجب القانون الذي تم سنه إثر قضية لوتس، تتمتع الدول بحرية نسبية في سن قوانين وقواعد تتجاوز آثارها الحدود الإقليمية للدولة، إلا أن المهم في الأمر أنها لا تمتلك سلطة إنفاذ هذه القوانين خارج حدودها.
ويعكس القانون الدولي العرفي الموقف من قضية لوتس بشأن الولاية القضائية. وفي عام 2002، اتخذت محكمة العدل الدولية التابعة للأمم المتحدة نفس الموقف من إحدى مذكرات التوقيف. وأكدت المحكمة أنه بموجب الصيغة التقليدية للقانون، لا تتمتع الدولة بالولاية القضائية على الجرائم المرتكبة خارجها إلا إذا كان الجاني أو الضحية يحمل جنسية تلك الدولة أو إذا كانت الجريمة تهدد أمنها الداخلي أو الخارجي. أي أن قضية لوتس أدت إلى سن مجموعة كبيرة من القوانين التي تم تعديلها بمرور الوقت حتى أصبحت ما يُعرف اليوم بالقانون العرفي والذي يُعتبر القانون الأساسي الذي يحكم الولاية القضائية للدول.
وبرز مؤخراً مفهوم الولاية القضائية الدولية والعدالة طويلة المدى مرة ثانية في سياق قضية مينج وانجو، المديرة المالية لشركة هواوي التي تم توقيفها في كندا بطلب من الولايات المتحدة وتواجه قضية تسليمها من كندا للولايات المتحدة التي تتهمها بأنها ضللت بنك “إتش إس بي سي” بشأن علاقة هواوي مع شركة “سكايكوم تك” التي تعمل في إيران. وقال بنك “إتش إس بي سي” أنه لو كان على علم بعلاقة هواوي مع شركة “سكايكوم” لامتنع عن توفير التسهيلات المالية إلى هواوي. وقيل بأن بنك “إتش إس بي سي” تعرض إلى خطر دفع الغرامات والإضرار بسمعته بسبب العقوبات الأمريكية المفروضة على إيران. كما قيل بأن مينج قدمت عرضاً تقديمياً باستخدام برنامج “باوربوينت” يحتوي على معلومات مضللة إلى واحد من موظفي البنك في مقهى بهونغ كونغ. وقام بنك “إتش إس بي سي” بعد ذلك بتحويل الأموال من خلال النظام المصرفي الأمريكي إلى هواوي. وتعتبر الولايات المتحدة أن استخدام بنك “إتش إس بي سي” للنظام المصرفي الأمريكي هو الدليل الذي يؤكد ولايتها القضائية وحقها في توجيه الاتهام إلى مينج بارتكاب المخالفات المزعومة.
ولإثبات العلاقة السببية وإخضاع قضية مينج إلى الولاية القضائية الأمريكية، تجمع الولايات المتحدة بين اثنتين من المخالفات، حيث تدّعي في المجموعة الأولى من الأدلة بأن مينج ضللت بنك “إتش إس بي سي” بشأن علاقة هواوي مع شركة “سكايكوم” مما أدى إلى حصول هواوي على تسهيلات لم تكن لتحصل عليها لو لم تقم مينج بتضليل البنك. ولكن ليس للولايات المتحدة مصلحة مشروعة في المجموعة الأولى من الأحداث التي وقعت في هونغ كونغ. أما المجموعة الثانية من الأدلة فتتضمن قيام بنك “إتش إس بي سي” باستخدام النظام المصرفي الأمريكي لتحويل الأموال، وهو ما يعتبر انتهاكاً للعقوبات الأمريكية بسبب علاقة الشركة بإيران. فإذا افترضنا – وهو افتراض غير مؤكد – أن الولايات المتحدة تتمتع بالسلطة القضائية على المجموعة الثانية من الحقائق إلا أن هذه السلطة لا تشمل مينج التي لا علاقة لها بالتحويلات المالية التي تمت، فقد كانت هذه التحويلات جزءاً من الإجراءات الداخلية في بنك “إتش إس بي سي”. وبالتالي فالولايات المتحدة لا تتمتع بسلطة قضائية على عميل البنك، بل على البنك ذاته.
من الناحية النظرية، إذا كانت الولايات المتحدة محقة بشأن المخالفة الثانية – تحويل الأموال من خلال حساب المراسل – فهي ليست بحاجة إلى الادعاء بأن مينج قامت بالاحتيال على بنك “إتش إس بي سي”. ولكن في هذه الحالة، ستظهر اتهامات الولايات المتحدة لمينج على أنها ادعاءات كيدية ضد عميل بريء لا يدرك أنه ارتكب أي خطأ. ولكن من خلال الحديث عن الاجتماع مع بنك “إتش إس بي سي” الذي لا علاقة له بالأحداث والادعاء بأن مينج قامت بالاحتيال، تبدو النوايا الأمريكية باتهام مينج واضحة حيث تعطي انطباعاً بأن الأحداث السابقة متصلة ببعضها البعض. أما في الواقع، فلا تتمتع الولايات المتحدة بأي ولاية قضائية على مينج أو هواوي.
ينبغي على المحكمة الكندية أن تتخذ إجراءً محدداً الآن وقبل فوات الاوان، لأن عدم قيامها بذلك يعتبر سابقة لم تحدث من قبل. وسيتم اعتبار محاكمة مينج بالطريقة التي تمت وفقها أمراً مقبولاً، وقد تصبح للأسف عرفاً قانونياً. وهذا يعني أن جميع المدراء الماليين في الشركات التي تتعامل بالدولار الأمريكي من خلال النظام المصرفي الأمريكي يخضعون للولاية القضائية الأمريكية على الأنشطة الأجنبية بشكل كامل وأنه يمكن للسلطات الأمريكية محاكمتهم إذا أرادت ذلك.
قضية مينج هي قضية مهمة ليس بحد ذاتها فحسب، بل بسبب أثرها المحتمل على مستقبل ملف الولاية القضائية وسلطة إنفاذ القانون خارج حدود الدول صاحبة الدعوى وكافة القضايا المستقبلية المشابهة.

عن سعد المالكي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

واحد × 5 =

x

‎قد يُعجبك أيضاً

فريق تطوعي يشارك في الترميم

التحلية نيوز _ رشاد اسكندراني واصل شركاء جمعية ترميم الخيرية بالشرقية تنفيذ مبادراتهم التطوعية في ...

Snapchat
Whatsapp