أخبار عاجلة
الرئيسية / المقالات و الرأى / كورونا : الكورونيالية ما بعد الكورونيالية

كورونا : الكورونيالية ما بعد الكورونيالية

بقلم/ نواف بن جارالله المالكي

حين نستعيد المآسي القريبة التي تعرضت لها بعض شعوب الأرض ظلماً وإبادةً جماعية وتشريداً من الديار وما قابلها من خُبثٍ صامت أو إستغلالٍ مجحف لترسيخ موقعاً عسكرياً أو تمكين فرصةً اقتصادية تقف وراءها إمبرياليات عتيقة ومعاصرة وجدت في إذكاء الصراعات فرصةً لتسويق منتجاتها وبناء ثرواتها أو تحقيق ثأر تاريخي على الدماء والاشلاء والفقد والأنين، حين ننظر ونستعيد تلك المشاهد نصل إلى تساؤل عريض : هل جاء هذا الفايروس ليكون الظالم الذي لا يضربه الظالمون الذين لم ينتهوا ولا يعتبر به المظلومون الذين لم ينتهضوا ؟؟
لقد كان المتوقع للعام 2020 – عالمياً- أن يكون عام التحولات العلمية العظيمة في تكنولوجيا المعلومات التي تتيح للإنسان أن يعمل كل شيء بمفردة من حجوزات الطيران إلى تلقي أوامر العلاج إلى الحضور السريع في معالجة الازمات وإدارة الكوارث والحساسية التقنية العالية في استقراء مؤشرات الخطر على المستويين البعيد والقريب، ولكننا وجدنا أن ( أغسل يدك جيداً ) التي كانت تُعد لتعليم الإنسان البدائي أصبح يتلقاها إنسان عصر التكنولوجيا بكثير من ( الهلع والانضباط ، والجهل أحيانا ً! ) لتظهر هذه الازمة العالمية أن أذكى التوقعات بعيدة النظر قد يغيرها فايروس لايدُرك بالنظر ! وكأن هذا الفايروس يتحدى البشرية ويذكر الإنسان بالرباط الإنساني الذي أسقطته البراجماتية والعولمة والمنافسة والميكافيلية السياسية والليبرالية الاقتصادية الجديدة التي تخلق الماسأة لتخلق منها مصلحة وتنعش المصلحة بخلق كثير من المآسي ويتحكم القوي بمصائر الضعفاء وأحلامهم وآمالهم ودمائهم وأوطانهم ، جاء هذا الفايروس ليرينا فصلاً جديداً من القدرة الإلهية التي أخبرتنا بأن أضعف وأوهن المخلوقات كان يدمر ويعاقب أكثر الناس قوة وبطراً وجبروتاً.
لقد أيقن العالم المتقدم ضعفه وعجزه أمام هذه الجائحة حين انهارت أنظمة صحية في دول كانت مضرب مثل في دقة وتطور أنظمتها الصحية، وأظهرت هذه الازمة مدى عاقبة الخلل الاجتماعي الذي أصاب العالم المتحضر خلال العقود الماضية حتى ترسخت الفردانية Individualism وأصبحت ثقافة مجتمع لأجيال متلاحقة حيث يدور الانسان حول مصلحته وملذاته الشخصية منسلخاً من علاقته بوالديه وأهله وأخوته ومجتمعه. ولقد أظهر كورونا بدائية العالم المتحضر الذي كنا نظن أن ثقافته التطوعية بلغت شأناً لم تبلغه الأمم، ظهر ذلك في الأنانية التموينية التي جعلت مواطنة بريطانية تصرخ ماذا تركوا لنا لنأكل ؟؟
ماذا بعد الكورونيالية ؟
حتى لو سلمنا بنظرية المؤامرة وأن هذا الفايروس صناعة بشرية في إطار صراع الكبار على كعكة هذا الكوكب إلا أن الأمر قد خرج عن إطار سيطرة الذين يُظن أنهم يقفون خلف وجوده وإنتشاره ، وبالتأكيد لن يكون العالم بعد كورونا كما هو قبل كورونا بعد أن اهتزت الثقة العالمية في دول متقدمة كانت البشرية تعول عليها لحل المشكلات والكوارث التي تواجه العالم.
لنبدأ من أوروبا التي كشفت أنها قارة عجوز بل وفي مراحل صعبة من شيخوختها، الأمر الذي سيقود هذه القارة إلى العودة نحو الكنيسة ولو بعقلية مختلفة عن العصور الوسطى حيث أن التشجيع على إنقاذ الديموغرافيا كماً ونوعاً سيكون على رأس خطط هذه القارة في المستقبل، قد تتحول هذه الدول إلى دول ( بوليموقراطية ) إن صحت التسمية وهو مزيج بين البو ليسي والديموقراطي وقد تكون اقل تسامحاً وأكثر انغلاقاً من ذي قبل وأقل طمعاً أيضاً.!
سيتجدد النقاش القديم ما لأهم الخبز أم الحرية ليأتي العلاج ثم الخبز ثم الديموقراطية، وستكون الديموقراطية بعد الرغيف والعلاج قبلهما جميعاً!
على هذا الكوكب سنرى دولاً تزداد قوة وستكون ازمة كورونا هي المؤشر الذي أظهر أن لدى هذه الدول قوةً كامنةً في شعوبها كانت غير مُلاحظة سواءً على مستوى الوعي أو الانضباط أو التكافل المجتمعي أو المواءمة المؤسسية. وسنرى في المقابل دولاً فاشلة ودولاً تزداد فشلاً حيث أن التعافي من مؤثرات هذا الفايروس ستسبب متاعباً اقتصادية يصعب الخروج منها في عاجل الأيام.
سيكون هناك انغلاق يقابل الانفتاح الذي حدث خلال عقدي الألفية الماضية، وستتغير ثقافة الاستهلاك والادخار على مستوى الدول والمؤسسات والأفراد ، ولن تكون الولايات المتحدة هي القطب الأوحد، حتى لو وصلت الصين إلى القمة لن تقود العالم على الطريقة الأمريكية ، إذا قدر الله لنا أن نودع العصر الأمريكي ونلج العصر الصيني فسوف تكون ثقافة الشراكة هي السائدة فالصينيون ليس من ثقافتهم فرض مصالحهم بالقوة العسكرية ولكن بالتخلي والحرمان ، في الوقت الذي يحتاج فيه الجميع لحضن التنين مما يجعل الصين تعيش كالأم المحاطة بالأطفال والتي لن تمانع من التهام بعضهم متى ما دعت لحاجة لذلك !

العالم العربي لديه الفرصة الآن في إستغلال موقعه وثرواته ليصنع حضارته بالطريقة التي تتناسب موروثة الثقافي والديني والتأريخي ولكن الفرصة لا تعني القدرة لذا قد يتسنى له ذلك بعد أن يعيد ترتيب مفهوم المركز والأقليم والأمة ، قد يكون ذلك بعد أن تكمل دورة الأيام تداولها .!

عن إبتسام المالكي

رئيسة تحرير صحيفة التحلية الإلكترونية

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

20 + عشرة =

x

‎قد يُعجبك أيضاً

أ.د. عوض الأسمري يرفع لمقام القيادة الشكر على تحمل الحكومة 60% من رواتب موظفي القطاع الخاص السعوديين

شقراء _ التحلية نيوز_ مسفر الخديدي نوه معالي أ.د. عوض بن خزيم الأسمري مدير جامعة ...

Snapchat
Whatsapp